محمد بن جرير الطبري

255

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بأرزاقنا وأعطياتنا ، فانا لا ننتفع بقولك هذا ، ولا يجدي علينا شيئا ، وأكثروا في مثل هذا القول ونحوه فنزل المغيرة ، فدخل واستأذن عليه قومه ، فاذن لهم ، فقالوا : علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة ، ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة ! انك تجمع على نفسك بهذا خصلتين : اما أولهما فتهوين سلطانك ، واما الأخرى فان ذلك ان بلغ معاوية كان اسخط له عليه - وكان أشدهم له قولا في امر حجر والتعظيم عليه عبد الله أبى عقيل الثقفي - فقال لهم المغيرة : انى قد قتلته ، انه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي ، فيأخذه عند أول وهله فيقتله شر قتله ، انه قد اقترب اجلى ، وضعف عملي ، ولا أحب ان ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم ، وسفك دمائهم ، فيسعدوا بذلك وأشقى ، ويعز في الدنيا معاوية ، ويذل يوم القيامة المغيرة ، ولكني قابل من محسنهم ، وعاف عن مسيئهم ، وحامد حليمهم ، وواعظ سفيههم ، حتى يفرق بيني وبينهم الموت ، وسيذكروننى لو قد جربوا العمال بعدي قال أبو مخنف : سمعت عثمان بن عقبه الكندي ، يقول : سمعت شيخا للحي يذكر هذا الحديث يقول : قد والله جربناهم فوجدناه خيرهم ، احمدهم للبرىء ، واغفرهم للمسىء ، واقبلهم للعذر . قال هشام : قال عوانه : فولى المغيرة الكوفة سنه احدى وأربعين في جمادى ، وهلك سنه احدى وخمسين ، فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان ، فاقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة ، ثم صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال : اما بعد ، فانا قد جربنا وجربنا ، وسسنا وساسنا السائسون ، فوجدنا هذا الأمر لا يصلح آخره الا بما صلح أوله ، بالطاعة اللينه المشبه سرها بعلانيتها ، وغيب أهلها بشاهدهم ، وقلوبهم بألسنتهم ، ووجدنا الناس لا يصلحهم الا لين في غير ضعف ، وشده في غير عنف ، وانى والله لا أقوم فيكم بأمر الا امضيته على اذلاله ، وليس من كذبه